حبيب الله الهاشمي الخوئي
285
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وإلى ذلك أشار بقوله ( وأنا أدعوكم وأنتم تريكة الاسلام وبقيّة ) المسلمين من ( النّاس ) لا يخفى ما في الاتيان بهذه الجملة من النكتة اللَّطيفة وهو الالهاب لهم والتهييج على المتابعة واستعار لهم لفظ التريكة لكونهم خلف الاسلام وبقيّته كالتريكة التي يتركها النعامة ، أي أدعوكم مع كونكم خلف الاسلام وبقيّة السلَّف وأولى النّاس بالقيام على مراسمه وبسلوك نهج الاسلاف ( إلى المعونة أو طائفة من العطاء فتفرّقون عنّي ) وتقاعدون ( وتختلفون علىّ ) ولا تجتمعون . وعمدة أسباب التفرّق والتقاعد هو ما أشرنا إليه هنا إجمالا وقدّمناه في شرح الخطبة الرابعة والثلاثين تفصيلا من تسويته عليه السّلام في العطاء بين الشريف والوضيع والرّئيس والمرؤس والموالي والعبيد ، فكان الرؤساء من ذلك واجدين في أنفسهم فيخذلونه باطنا وينصرونه ظاهرا ، وإذا أحسّ الاتباع بتخاذل الرّؤساء تخاذلوا أيضا فلم يكن يجد عليه السّلام لما أعطى الاتباع من الرّزق ثمرة ، لأنّ قتال الأتباع لا يتصوّر وقوعه مع تخاذل الرّؤساء فكان يذهب ما يعطيهم ضياعا ، هذا . وقد تحصّل من قوله عليه السّلام أوليس عجبا ، إلى قوله : تختلفون على أنّ منشأ تعجّبه عليه السّلام أمور : أوّلها أنّ داعيهم معاوية إمام القاسطين وداعي هؤلاء أمير المؤمنين إمام المتّقين والأوّل يدعوهم إلى درك الجحيم والثّاني يدعوهم إلى نضرة النعيم . وثانيها أنّ المدعوّ هناك الأوغاد الطغام مع خلوّهم غالبا عن الغيرة والحميّة وههنا تريكة الاسلام وبقيّة أهل التقوى والمروّة . وثالثها متابعة الأوّلين على إمامهم من غير معونة ولا عطاء ومخالفة الآخرين لامامهم مع المعونة والعطاء . ثمّ أشار إلى مخالفتهم له عليه السّلام في جميع الأحوال فقال ( إنه لا يخرج إليكم من أمرى رضا فترضونه ولا سخط فتجتمعون عليه ) أي لا يخرج إليكم من أمرى شيء من شأنه أن يرضى به كالمعونة والعطاء فترضونه أو من شأنه أن يسخط منه كالحرب والجهاد لكراهة الموت وحبّ البقاء فتجتمعون عليه ، بل لا بدّ لكم من